المقريزي
115
رسائل المقريزي
وليس هو عند القعنبي « 1 » لا مرسلا ولا مسندا . ومعنى قوله : « من أنفق زوجين » يعنى شيئين من نوع واحد نحو درهمين أو دينارين أو فرسين أو قمصين ، وكذلك من صلى ركعتين أو مشى في سبيل الله تعالى خطوتين ، أو صام يومين ونحو ذلك ، وإنما أراد - والله أعلم - أقل التكرار وأقل وجوه المداومة على العمل من أعمال البر ؛ لأن الاثنين أقل الجمع « 2 » ، فهذا كالغيث أين وقع نفع صحب الله بلا خلق ، وصحب الخلق بلا نفس ؛ إذا كان مع الله عزل الخلائق من البين ، وتخلى عنهم ، وإذا كان مع خلقه عزل نفسه من الوسط وتخلى عنها ، فما أغربه بين الناس وما أشد وحشته منهم ! وما أعظم أنسه باللّه وفرحه به وطمأنينته وسكونه إليه ! . أقسام الناس في منفعة العبادة : واعلم أن للناس في منفعة العبادة وحكمتها ومقصودها طرقا أربعة ، وهم في ذلك أربعة أصناف . الصنف الأول : نفاة الحكم والتعليل للذين يردون الأمر إلى نفس المشيئة وصرف الإرادة ، فهؤلاء عندهم القيام بها ليس إلا لمجرد الأمر من غير أن يكون سببا لسعادة في معاش ولا معاد ولا سببا لنجاة ، وإنما القيام بها لمجرد الأمر ومحض المشيئة ، كما قالوا في الخلق : لم يخلق لغاية ولا لعلة هي المقصودة به ولا لحكمة تعود إليه منه ، وليس في المخلوق أسباب تكون مقتضيات لمسبباتها ، وليس في النار سبب للإحراق ، ولا في الماء قوة الإغراق ولا التبريد . وهكذا الأمر عندهم سواء لا فرق بين الخلق والأمر ، لا فرق في نفس الأمر بين المأمور والمحظور ، ولكن المشيئة اقتضت أمره بهذا ونهيه عن هذا من غير أن يقوم بالمأمور صفة تقتضى حسنه ولا بالمنهى عنه صفة تقتضى قبحه ، ولهذا الأصل لوازم فاسدة وفروع كثيرة ، وهؤلاء غالبهم لا يجد حلاوة العبادة ولا لذتها ولا يتنعمون بها ؛ ولهذا يسمون الصلاة والصيام والزكاة والحج والتوحيد والإخلاص ونحو ذلك تكاليف ، أي كلفوا بها ، ولو سمى مدعى محبة ملك من الملوك أو غيره ما يأمر به تكليفا لم يعد محبا له .
--> ( 1 ) القعنبىّ عبد الله بن مسلمة بن قعنب أبو عبد الرحمن المدني ، أحد الأئمة الأعلام . قال العجلي : بصرى ثقة ، رجل صالح ، قرأ على مالك الموطأ توفى سنة 221 ه . تذكرة الحفاظ ( 1 / 383 ) العبر ( 1 / 382 ) ، طبقات الحفاظ ( 366 ) للسيوطي . ( 2 ) انظر معنى الحديث في « شرح السنة » للبغوي ( 4 / 82 ) ، شرح مسلم للنووي ( 7 / 116 ) .